صور الإسبان كاذبة

“زمن الصورة هو زمن التلفيق”، بول ڤيريليو (Paul Virilio)

في منتصف القرن الماضي، نشرت” باري ماتش” على غلافها صورة مجند زنجي في الجيش الفرنسي يؤدي التحية الوطنية وعيناه إلى أعلى نحو علم الجمهورية الزاهي. حلل رولان بارت هذه الصورة متجاوزا معناها الظاهر: بلد المساواة والتنوع العرقي، نحو معناها المضمر: لسنا جمهورية بل إمبراطورية تمتد خارج أوروبا، يخدمها تحت رايتها كل أبنائها، وفي مقدمتهم هؤلاء المجندون من المستعمرات، ومن ثم ما من ردٍّ أفضل على من يتهمنا بالاستعمار إلا وفاء هذا الزنجي الذي يقف طواعية وبخشوع الوطني المخلص في خدمة من يُعتقد بأنهم مضطهِدوه ومستعبِدوه.

الإعلام الإسباني بعد سبعين سنة يحاول أن يجتر الرسالة نفسها عبر نشر شريط من الصور في حرب صامتة على المغرب؛ بحيث ليس المبتغى نقل ما يقع على مشارف سبتة، بل إعماء الأبصار عما وقع هناك في مدريد من احتضان لإرهابي مطلوب للقضاء الدولي بتواطؤ مع جنرالات يستعبدون شعبهم. نقول صورا كاذبة ليس لأنها مزيفة أو من أماكن وأحداث أخرى كما سارع وادعى بعض إعلاميينا الذين نذروا أنفسهم لتجميل المشهد، فوقعوا في الفخ المنصوب لهم، هي صور كاذبة بالتأكيد لأنها مفرطة في قصديتها وفي مطابقتها العمياء للأصل، ما أفقدها أية قدرة على التأثير. أراد لها واضعوها أن تكون علامة تجارية للمورو (Moro) من غير أن يتركوا لها شيئا من غموض العفوية، فحرموا متلقيها من حرية التفسير. وهنا أقفلوها بغباء متوهمين استحالة إدراك معانيها خارج السلطة التي رسمتها وأخرجتها.

على سبيل المثال، لنتوقف عند هذه الصورة المنتشرة على نطاق واسع جدا:

ليست هذه صورة بريئة بقدر ما هي امتداد لأسطورة مرصوصة بعناية ومعززة بترسانة محكمة من الدلالات والإشارات: لقطة من مستوى أسفل الصدر وهذا هو الشكل، أما المحتوى فمهاجر افريقي تعيس من دون كمامة يتشبث كالغريق بشقراء مكممة بالسواد غامرت من فرط إنسانيتها باحتضانه، متحدية خطر الوباء.

المعنى الأول موجه للعالم: نحن هم الأوروبيون الرحماء صانعو حقوق الإنسان، والثاني للأوروبيين: اطمئنوا ما زال الإفريقي التعيس خاضعا، أما المعنى الثالث فموجه إلينا ولسانه يخاطبنا بعجرفة: إفريقيا من دوننا نحن الأوروبيين كالأرض التي هجرها الله. الحرب والمجاعة وفي أفضل الأحوال الفقر والهشاشة. هذا قدركم لأنكم أفارقة ولو عبرتم كل الأزمنة؛ لا تصدقوا مسؤوليكم، فمغرب اليوم هو مغرب الأمس والغد، ونهاية تنطعكم من أجل وحدة بلدكم لن تكون أفضل حالا من هذا الإفريقي التعيس الذين ناضل أجداده في سبيل استقلالهم برؤوسهم التي علقناها على البنادق، وها هم أحفادهم لا يجدون اليوم سوى حضننا للاستنجاد به.

لاحظوا الشقراء وقد أشاحت بوجهها نحو الجهة الأخرى. هي استدارة الأم الغاضبة من ابنها ولكن مشاعر الأمومة تدفعها إلى العفو حتى عن العاقين منهم. هذا ما تقوله هذه الصورة، وليس تلك الكذبة التي روج لها الإعلام الإسباني عن إنسانية في العلن يدحضها تواطؤ مع الجنرالات في السر، تلك كذبة مكشوفة حتما ولم يعد أحد يصدقها. ثم إن المعنى الحقيقي للصور لا يعمل عمله إلا عبر تلك الفجوات التي تحدث خارج حدود السلطة، تماما كحجر بولوني بمجرد انحسار النهار عنه يبدأ في إصدار إشعاعاته التي خزنها طيلة اليوم. هذا هو درس رولان بارت البليغ.

الكذبة الأخرى في هذه الصور ادعاؤها القدرة على تمثيل ما وقع على مشارف سبتة، وهنا وقع أصحابها في المفارقة؛ إذ اضطروا لإخفاء صور الرصاصات المطاطية بحجم كرة البينغ بونغ ولكريموجين والركل والصفع وتجريد مراهقين عزل من ملابسهم وحشرهم في مراحيض نتنة، لصالح المغالاة في إظهار صور الصليب الأحمر المؤطر بالبياض إلى جوار علم إسبانيا على أكتاف الجنود والممرضات الشقراوات، وكذا صور عربات الإسعاف الواقفة إلى جوار المدرعات لحماية وردع جموع وصفها إعلامهم بالمسيرة الخضراء الثانية. فتناغمت بذلك عناصر السردية التقليدية للاستعمار الأوروبي التي هي خليط الأوربة والعسكرة: العصا والجزرة/ الإرغام والتبعية/ الإنسانية والتحكم.

هذه الصور كاذبة لأن الهدف منها أن تولد الخطأ عند متلقيها، تحاول إشعار الأوروبي بالاعتزاز بالذات لقدرة جنوده على حماية القارة العجوز وتفاني مواطنيه في إسعاف القاصرين والرأفة بهم وفاء لقيم حقوق الإنسان، عوض أن تشعره بالعار والخزي من تاريخ أجداده الاستعماري الذي ما فتئ بعض حفدتهم يحاولون تكريس استمراريته.

هذه الصور كاذبة لأن الهدف منها جعل المعركة تدور خارج ميدانها، وهو ما لم تفلح فيه لأن التحكم بالواقع مستحيل.

هذه الصور كاذبة لأنها تنطوي على علاقة استيلاب قاهرة. هي ليست إنسانية على الإطلاق، بل فاشية ترتسم فيها خانتان: القهر والتبعية. هي فضيحة كارثية لأنها تتعمد تغييب آلام شعوب إفريقية رزحت لقرون تحت نير الاستغلال والقهر ونهب ثرواتها في مقابل جعل بضعة منهم يلعبون دور أضحية العيد لتأبيد نظام استعماري بائد.

كل شيء في هذه الصور تم توضيبه بمبضع الجراح لإخصاء المعنى لصالح الزيف، ومحق الحقيقة لصالح الادعاء. والأصل أن الجار الشمالي ينظر بريبة إلى التحالف الجديد في المنطقة بعد كورونا، ولا يريد للمغرب أن يستقل بقراراته ويستكمل وحدته ويتحكم في ثرواته، لا يريد له أن يخرج من الحظيرة التي صنعتها له أوروبا فكشف عن وجهه الخفي بتعامله السري مع الإرهاب.

نقول: الغالي ثمنه فيه، وإسبانيا التي تقر علانية بأنها غير مستعدة لتحمل تبعات قطع أية علاقة مع المغرب كيفما كانت. تبدو وقد تورطت في هذا الغالي بالاسم فقط الذي أدخلته سرا كاللصوص ثم أدركت أن لا ثمن فيه، وأن حكومتها قد غامرت في بضاعة كاسدة لا تساوي شيئا.

ولكن مشكلة الحكومة الإسبانية الحالية لا تختلف في شيء عن معضلة أحزابنا؛ كلاهما لا يريد الاعتراف بأن ما يقع الآن هو بداية، وكل بداية ليست سوى نهاية لوضع سابق. فكما على الساسة الإسبان الحاليين أن يقنعوا أنفسهم بحقيقة أن مغرب اليوم لم يعد هو مغرب الأمس، فعلى سياسيينا الذين يستعدون هذه الأيام للانتخابات القادمة بالوجوه القديمة نفسها والتقاليد البائدة ذاتها، من زيارات إلى مدنهم التي لم يروها منذ سنوات، ومن ركوب حقير على قضية فلسطين، ومن توزيع القفة والمنح على جمعيات الأحياء شراء للذمم، (عليهم) أن يدركوا هم أيضا هذه الحقيقة ومن دون عناد. وما العناد؟ اجتماع أشخاص على حماقة.

هل نقول إن أفضل وسيلة أمام كل هؤلاء جميعهم للتطبيع مع المملكة المغربية من طنجة إلى الكويرة ومع شعبها بمختلف أطيافه هو أن يستيقظوا من أحلامهم، فالاحلام إذا طالت تلاشت وانمحت؟

The post صور الإسبان كاذبة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عن الكاتب

لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق، إذا كنت تحتاج إلى عدد أكبر من الفقرات يتيح لك مولد النص العربى زيادة عدد الفقرات كما تريد، النص لن يبدو مقسما ولا يحوي أخطاء لغوية، مولد النص العربى مفيد لمصممي المواقع على وجه الخصوص، حيث يحتاج العميل فى كثير من الأحيان أن يطلع على صورة حقيقية لتصميم الموقع.

إعلان