مايكل شوماخر خلف مقود فيراري، نجم يقود أسطورة، يُرمز إليها بفرس جامح يقف على قائمتيه الخلفيتين؛ وذلك في فيلم “شوماخر” الوثائقي على نتفليكس شنتبر 2021، من إخراج كل من فانيسا نوكر ومايكل ويش.
الفيلم تجميع للقطات أرشيف من تغطيات تلفزيونية سابقة للمسابقات التي شارك فيها شوماخر، بهدف سرد سيرته وتفسيرها. وقد توفرت للمونتير تغطية تصويرية هائلة، فعمل على انتقاء لقطات دالة لضفر خيط غير مرئي يجمع المشاهد التي صورت في مراحل زمنية مختلفة.
يهدف الإخراج إلى تفسير الشخصية، من أين جاءت وإلى أين تمضي؟ لماذا وكيف نجح شوماخر واشتهر؟ لأنه مثابر يحب عمله نجح واشتهر. هكذا، يسرد الفيلم قصة يعرف المتفرجون نهايتها… لذلك، تم التركيز على بدايتها لتفسير التفوق اللاحق للبطل… هذه دراما الحياة بدل دراما التخييل، يعيش البطل صراعا ضد الساعة، ضد الزمن.
يتسابق شوماخر في مضمار يشبه الحياة، فيه منعرجات لا تحصى، تزداد خطورتها مع زيادة السرعة… يمتدح المُعلق الرجلَ الأسرعَ بأنه الأذكى… يفهم المتفرج أن البطيئين أغبياء. يتحدث المعلق عن فلسفة شوماخر، ويتردد معجم يرسم بورترريه الفرد الحديث: يطمح، يخطط، يتدرب بمشقة، يكوّن ذاته بتحمل العمل والعزلة لساعات طويلة، يتسابق بمهارة، يعمل بمتعة كأنه يلعب، يتفوق، يبكي محبوه فرحا، يفوز ويصرّح بأنه يهدي هذا الفوز للمشجعين الألمان. هذا الرياضي المتفوق رمز وقدوة لشعبه، لتأكيد ذلك تتوالى كادرات كبيرة على وجوه ومشاعر الشهود، يحتفل البطل، يرقص، يستمتع ويبث روحا إيجابية في الجماهير الشكاكة. هذا نموذج للنضال، للنجاح في الحياة، إنه متسابق في الفورمويلا واحد… إنه من زبدة النخبة.
تنجح الأفلام التي تستعيد هذه الخطاطة، سواء كانت أفلاما تخييلية أو وثائقية… يحلم ملايير البشر يوميا بعيش هذه الخطاطة للخروج من الظل، وحين يفشلون يعزّون أنفسهم بالإعجاب بمن كان نكرة وصار شهيرا مثل شوماخر وكريستيانو رونالدو… الدرس هو قدرة النجم على حل كل المشاكل الحياتية والوجدانية التي فشل فيها معجبوه. المسكوت عنه هو أن شوماخر تفوق لأنه بدأ مبكرا. كان هناك مضمار سباق سيارات للأطفال في مدينته… كان شوماخر يتسابق في سن السابعة… وتوفُّر هذه الإمكانية هو الذي يفسر الفارق بالنسبة إلى أطفال مجتمعات لا تستطيع المنافسة في مستويات مثل هذه، ويلعب أطفالها في الأزقة المتربة حفاة.
أكبر الصروح في المدن الحديثة هي الملاعب الرياضية، وليس الأهرامات والمعابد… وأنبياء العصر هم الرياضيون الناجحون… وهذا فيلم عن واحد منهم. شوماخر يقود فيراري، نجم يقود أسطورة، يجلس فوق عرش جلدي ويمسك بمقود سيارة فخمة وينطلق بسرعة جنونية. من لا يحلم بهذا؟
فيراري أشهر ماركة سيارات رياضية، رمز الفخامة الإيطالية. السيارة هي رمز الحداثة، تطوي المكان، سيارة فاخرة تُشعر راكبها بالفخر، هي رمز تسلق طبقي، سيارة نادرة رمزها حصان يقف على قائمتيه الخلفيتين كما في لوحة “نابليون عابرا جبال الألب” 1807 للرسام الرّجعي جاك لويس دافيد. بهذا يستعيد شوماخر، الملقب بالبارون الأحمر، فروسية منقرضة. فارس حديث يصارع الزمن، دون كيشوت معاصر يلبي حاجة البشر إلى البطولة… على ملابس هذا الفارس أيقونات أشهر شركات العالم… الرياضة أفضل وسيلة للإشهار.
عمليا، صور الفيلم في وقت طويل امتد سنوات، نتلقى التفسيرات لما جرى بصوت البطل وبصوت الشهود… تنبع قوة نص التعليق ودقته ووضوحه من صدوره عن مشاركين في الحدث لحظة وقوعه، وليس تعليقا واستعادة بعدية من الذاكرة. شهود يرصدون المشهد في لحظة تحول، من قبل ومن بعد. كان هناك المتسابق البرازيلي آيرتون سينا المصنف الأول وهو قدوة مُبجل، وفجأة وصل سائق نكرة… كان هناك أسد عجوز يرقب وصول أسد شاب سينافسه. مات البرازيلي وهو يحاول حماية عرشه.
هذه لحظة تاريخية في مسار الفورميلا واحد، وتحتاج إلى توثيق في فيلم مبني على تتابع كرونولوجي مدعوم بلقطات النقل المباشر للسباقات الجنونية… لقطات جمعت في وقت طويل. لذا، فالوقائع تعبر عن نفسها. بهدف تعميق المنظور، استخدم المخرج موقع رؤية ذاتيا، تم تثبيت الكاميرا على المقود. وهذا ما يُشعر المتفرج بأنه هو الذي يقود سيارة رياضية فاخرة بسرعة 300 كلومتر في الساعة..
السرعة ممتعة، كادر كبير على الحميمي، على ما يحبّه الجمهور، مقود فاخر يعرف الاتجاه الصحيح… أية سعادة. حين تصطدم سيارة البطل بالحاجز يشعر المتفرج بأنه هو الذي اصطدم بالحاجز..
تم تصوير المشهد بعين شوماخر، بعين ووجهة نظر الشخصية المصوّرة… ما لم يقله المعلق هو معنى تلك النظرة الحادة القلقة التي تصدر عن شوماخر، والتي تعكس حجم الاحتراق الداخلي للنجم مما يقربه من دماره.
The post الفيلم الوثائقي "شوماخر" .. "البارون الأحمر" يُرَوض رمز الفخامة الإيطالية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق