“السلطان إسماعيل محبّا”.. عنوان أحد فصول العمل الروائي الجديد للأكاديمي والروائي الدكتور بنسالم حميش، استهله بالقول إن “عايشة زوجتي الحرة المؤثرة، امرأة ضخمة فخيمة، أبعادها الثلاثة من طولٍ وعرضٍ وعمقٍ متناسقة متواصلة، إذا مشت تمخترت وحركت الريح من تحتها، وإذا جلست غمرت الفضاء من حولها بنظرات فاحصةٍ ثاقبة؛ سيِّدة متوقدة الذكاء، شديدة البأس، قوية العريكة.. تخشاها النساء ويهابها الرجال”.
وتناول بنسالم حميش، في هذا الفصل من الرواية، جوانب من الحياة الزوجية للسلطان إسماعيل، خاصة ما يربط بعلاقته بـ”عايشة الشريفة”، و”خناثى” التي قال عنها إنها “لامعة السمرة، حوراء، أسيلة الخدين، ناعمة النظر فاترته، إذا نطقت أنطقها الإلهام غالبا بالسجع والمجاز وبالفِكَرِ الأصيلة المؤثرة”.
وهذا نص المقطع الروائي:
في باب النكاح أتأسى برسولنا الأمجد القائل في حديث رواه إسماعيل البخاري في صحيحه “إني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”. وفي حديث ورد عند ابن سعد في طبقاته “حبِّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء” وفي رواية أخرى هذي الإضافة السنية “وجُعلت قرة عيني في الصلاة”، هذا علاوة على حديث شريف “إني رجل حبِّب إلي الجمال وأعطيت منه ما ترى”. وكل ربّات حريمي آنس إليهن وأعدل بينهن ما استطعت. ومن حظاياي اللواتي شغفتُ بهن حبّا عايشة مباركة، البربوشية الرحمانية، هذي المرأة النعمة، كلما ناجتني كل صباح ضمتني إلى صدرها الرحيب، فتعتريني خفقات نورانية دفيئة كأنما هي من روْح الفردوس الأعلى. وهي عندي بمثابة هبةٍ ربانية ونفسٍ نفيسة، إذا ما أدنيتها مني انحاشت إليّ فأطارحها الهوى فتجود عليّ بمثيله بل أوثق وأحلى، ولله الحمد كله إذ قال سبحانه وتعالى ﴿هنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن﴾.
عايشة زوجتي الحرة المؤثرة، امرأة ضخمة فخيمة، أبعادها الثلاثة من طولٍ وعرضٍ وعمقٍ متناسقة متواصلة، إذا مشت تمخترت وحركت الريح من تحتها، وإذا جلست غمرت الفضاء من حولها بنظرات فاحصةٍ ثاقبة؛ سيِّدة متوقدة الذكاء، شديدة البأس، قوية العريكة. تخشاها النساء ويهابها الرجال. وقد طالما استنصحتها واستفتيتها وتحيزتُ إلى فيئتها في شؤونٍ شائكة شتى وأخرى عِظامٍ، فلا تخيِّبُ ظني قط، ولا تشير عليّ إلا بما ينيرني وينفعني وأستطيبه، فتزكو لديَّ صور دقة ذهنها وجودة قريحتها. وكانت أحيانا إذا ما عصى عليها أمر أوكلته إلى عقلي واصفةً إياه بالسديد وإلى الله العليم الخبير.
ذات ليلة انتابني أرق شديد تلته غفوات مرتجة، بدا لي فيها أخي الرشيد يدعو لي باليمن والتوفيق، فحل بي على إثره نعاس ناعم لم ينهه إلا تنبيه جاريتين ياقوتة ومرجانة تغردان بصوتهما العذب الرخيم: “أسبحان الله… حانت صلاة الفجر، يا مولاي”. ولما أيقنتا أني لا أحفل بهما ولا أجيب، فهرعتا هلعتين إلى مولاتهما زوجتي عايشة وأبلغتاها الخبر، فقدمت صائحة بي، وشعرت بدونها مني على فراشي، فأخذت ترش بمزهرية وجهي ولحيتي وتحثني على النهوض، لكني تثاقلت هامسا في أذنها: وفاة الرشيد، يا سيدتي، نخرت نفسي ودوخت رأسي وهدَّت أوصالي. مات وخلفّ لي مهام شائكة بالغة الصعوبة، ولا أراني قادرا على أدائها كما يرضى الله وتقبل روحُ أخي الطاهرة. فلو أُعفيتُ من حملها قد يكون هذا أصحَّ لي وأريح… حدجتني الشريفة بنظرات حادة مستغربة جعلتني أستجمع قواي وأنهض ساعيا إلى غسل أطرافي وتجديد وضوئي لأداء صلاة الفجر وحدي، ثم أقبل عليّ حاجبي مرجان عارضا عليَّ ما أختاره من لباس في الخزين، فساعدني على ارتداء الفرجية والقفطان والحايك وعمم رأسي وامتشقتُ سيفي. عندئذ جاءت الشريفة فطيبتني بالمصطكي وعود القماري، ثم أجلستني حداءها وقالت: كلنا على رحيل المولى الرشيد حزنّا حزنا ممضا وعزاؤنا واحد. لكن الأعمار بيد الله الذي إليه الرجعى والمآب. واليوم والله لن يقوم بشؤون هذي الأمة وأهاليها إلا أنت يا ذا النفسِ المتطاولة إلى عليات الدرجات وأرفع المراتب. إيمانك الراسخ بمن له الأسماء الحسنى سلاحك الأمضى، يقوِّي جلَدك ويغَّلبك على المحن والملمات. وأنا وراءك بالسند والحثِّ والنصح ما حييت. فانهض إلى ما ندبك ربُّك إليه وولاّك عليه، فأطِعهُ واستجب.
كانت سيدة المقام تعلم أن نهوضي لا يتيسر حقّا إلا بإسماعي آيات محكمات يتلوها شاب بخاري اسمه زهير الهلالي، وهبه الله صوتا جهوريا رخيما. وكانت هذه الآي ضمن أخرى كثيرة تدمع لها عيناي وتبتل لحيتي. وبإشارة منها تلا بعد الحمدلة والتصلية: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾، ثم أعقبها بآية تقشعر لها جوارحي ويخفق قلبي وهي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾…
كم هو جمٌّ عرمومٌ ولعي بارتياد مدائن الصحراء ومناظرها الخلابة الوضاءة. وكيف لا وسجلماسة مسقط رأسي ومرتع نشأتي وترعرعي. هي سجلماسة، ملتقى قوافل المؤن والأقوات وإحياء صلات الأرحام وتجديد عرى الإسلام مع إخواننا في الدين الآتين من تخوم السودان وأعماقه.
والصحراء كما نعلم هي، علاوة على ما ذكرت، مهد الديانات التوحيدية في المشرق ومنشأ أهم الدول ومنابت الأولياء والربانيين الأخيار في الديار المغاربية المباركة.
أثناء ولايتي على مكناسة وفاس دأبت تارة مع زوجتي عايشة الشريفة أو بمفردي على شد الرحال إلى سجلماسة ومدن أخرى من فيلالة، وكانت غايتي التطهر الأصفى بالهواء الحر والتأمل في الخلائق والملكوت. ولي في رحلاتي تيك مآرب أخرى، أعزها وأجداها امرأة عالية القدر والهمة، اسمها خناثى، لامعة السمرة، حوراء، أسيلة الخدين، ناعمة النظر فاترته، إذا نطقت أنطقها الإلهام غالبا بالسجع والمجاز وبالفِكَرِ الأصيلة المؤثرة، وإذا أنشدت شعرا من ديوان العرب تضوَّع المسك من فيها وسحرت الألباب والأفئدة. علمت أن الخُطاب تزاحموا على باب والديها، كان من آخرهم رجل ذو حسب وثراء، لكنها كما رويَ لي ردته على عقبيه بسبب أنه قال لأبيها سيد المغافرة ويعسوبهم: جئت، يا شيخ، أرغب في استبضاع كريمتك، فتفهم أبواها صدودها وشملاها برضاهما الوافر؛ ذلك لأنهما ربياها على عقيدة خلق الله تعالى الذكر والأنثى من نفس واحدة، وعلى أن النساء، كما في حديث شريف، شقائق الرجال، فلا يحل إنزالهن منزلة البضاعة، ولا يعقل ذلك ولا يليق حسا ومعنى. وحدث أن الغادة خناثى، التي ينعتها قومها بالفقيهة الفهيمة، كانت تطرق الموضوع ذاك فتجيد فيه وتفيد، كما في مسائل أخرى تمُت إلى السياسة الشرعية سواء صحبةَ نسوة فطنات تقيات وحتى أمام رجال متفقهين فضلاء.
خناثى بنت الشيخ بكار، وهي في ريعان العمر، لما تغزَّل فيها بعض شباب القبيلة وشيبها تستروا على غلوائهم وهيامهم الشديد، وشبهها كهول بزرقاء اليمامة، وحين نما إليها التشبيه أنكرت على نفسها موهبة العرافة، متعللة بكون علام الغيوب هو الله الواحد الأحد، وأن ما يأتيها من ذلك أحيانا إن هو إلا قرانات ومصادفات أو من صنف فراسة المؤمنة ليس إلا.
وكانت هذه الحسناء العجيبة، كما قيل لي، تبرع في رقصة الگدرة مرتدية خمارها الأسود، وخلفها حلقة المرددين والناقرين على الطبل والمصفقين. ولما أن أدت الرقصة احتفاءً بمقدمي، علقتْ بها عيون الرجال، وأنا منهم، وحتى النساء، فحسبتُها -والله- تلامس الأرض بأخمص قدميها وتحرك من تحتها ريحا لينة رهواء، كأنها تبغي التحليق، ثم تسرِّح ذراعيها طليقتين ويديها وأناملها كما لو أنها، على وقع النغمات والتصويتات، تزركش الفراغ بعلامات شائقة، تميل لها أطرافها الناعمة يمنة ويسرة وأماما ووراء، فيما المبخرات تفوه بالمسك والعنبر والعود القماري، والمزهريات يتلقى الحضور منها رشات ماء الورد الزكية المنعشة، وبعد جلوس الراقصة الفذة بين النسوة المحصنات خلفتها راقصات أخريات، وهن -والحق يقال- دون روعة خناثى وإتقانها الفاتن الماتع.
من أقوالها المغناة المندرجة في أدب التبراع الحساني: خلال رؤاياي المنامية كثيرا ما يتبدى لي فارس أحلامي، جسما سليما معافى وروحا بهية ومعينَ عشق وحبور. وليلةَ الأمس أهداني وردة نرجسية، أكمامها نور على نور ومرآةً بلورية، وبالتقبيل والحنان سربلني، وعن نزهة النفوس حدثني، وعن الحب والأمان في مدى سهول الصحراء ورُباها المتشاكلة بين رياح لطيفة وأخرى حرى عاصفة، وكذلك عن ساكنتها من إنس وحيوان…
بعد تحصيل بيعة أهل مراكش المباركة عدت إلى عاصمتي حيث استقبلت وفود المهنئين من أصناف شتى، وأدينا جميعا صلاة المغرب في المسجد الأعظم وكلّلناها بسجود الامتنان والشكر لله العلي القدير.
الشيخ بكار المغافري بلغ من السيادة والاتصاف بالمناقب الحميدة والقدرة على التحكيم وتأليف القلوب درجة الرفعة بحيث اجتمعت حوله قبائل المعقل والودايا العربية. وللشيخ اليد البيضاء في محاولة استئلاف الأعراب البدو الرحل من أجل إطفاء غلو نزوعهم إلى حياة الغصب والسطو ونهج الغارات السالبة المتحيِّفة. فكيف لا أشد الرحال في موكب خفيف إلى هذا الشيخ الفاضل الذي ألتقي معه في مساع حميدة وغايات عزيزة. إني عما قريب ذاهب إليه لأحظى ببيعته في مستقره وأمام أهله وأكابر عشيرته، وكذلك كان في يوم جمعة أغر. ولتوثيق البيعة وتحصينها بالمصاهرة التمست منه تشريفي بقبول طلبي الزواج بابنته خناثى قرة عينه ومفخرة قبيله، ذات الحسن الباهر والصيت التليد والخصال السامية. رحب الأب بطلبي وكذلك حليلته، على أن يراجع المطلوبة في الأمر وينال قبولها.
في مغرب اليوم الثاني من إقامتي في ديار الشيخ بكار ضيفا مكرما يسَّر لي لقاء مع كريمته أميرة البهاء والهمة، وكان في واحة قريبة نضرة. حييتها كما يجب، فردت على تحيتي بأحسن منها، ومشينا الهوينى تحت ظلال النخيل نتجاذب أطراف حديث ريّان حول وشائج المحبة والوئام والأرومة المشتركة بين أهالينا. ولما فاتحتها في ما جئت من أجله طلبت مني مهلة للتفكير تبلغني زبدتها بعد زمن يسير، ثم أردفت قائلة ووجهها يشع ضياءً: بايعك أبتي يا سيدي، وأنا لا أبايعك إلا إذا سابقتني بالجري نحو تلك النخلة السامقة ذات الأكمام، وعانقتَ جذعها قبلي، وأحدد السباق في ثلاث جولات لا أكثر. فكان لها ما شرطت ولما بلغنا العدد نطقت النتيجة بالتعادل، لا غالب ولا مغلوب. فتنفست الصعداء لاهثا فيما بدت هي هادئة مرتاحة. دنت مني وشدت على يدي وقالت: أبايعك، يا مولاي، على الوفاء والطاعة ما دمت لا تعصى الله ولا تفرط في حقوقه وحقوق الناس. فحشتها إليّ منفعلا شاكرا ثم يممنا معا نزل أبيها فلحقت بأمها وظللت أنا مع الأب حول مائدة العشاء لا ثالث لنا، فتوافقنا على تاريخ عقد النكاح والاحتفال به بعد أسبوعين من هذا اليوم في الدار الكبيرة بمكناس ريثما تعلن خناثى عن قبولها ورضاها. وما إن صلينا العشاء معا حتى قصد كل واحد مأواه، وفي صباح اليوم الثالث إذ حان وقت الوداع عرفتني خناثى بخزانتها العامرة فأثنيت على محبتها للعلم وتبادلنا نظرات ود وانشراح دافئة ثم رافقتني مع أبيها وأمها إلى محلة موكبي محفوفين بالحاشية والخدم، وما إن تحرك حتى عمت الفضاء عاصفة من الهتافات الضاجة والزغاريد الطليقة. ولما خفّت أمرت بالعروج على سجلماسة للترحم على روحي والديَّ ومن تبعهم إلى دار البقاء ثم بالذهاب إلى فيلالة لإحياء صلات الأرحام مع القرباء الأحياء.
حكيت للأحمدي قصة السباق، فقال إن مثيله إلى حدٍّ ما حصل للرسول الأكرم مع سيدتنا عائشة أم المؤمنين، تعجبت للقران وباركته واسعا.
بعد مضي أقل من شهر، كان عرس زواجي بخناثى في خيام قبيلها وبمقتضى أعراف أهلها وعاداتهم الراسخة في الأصالة والعراقة المجتنبة للبذخ والإسراف.. وألحت العروس على أن يكون كذلك حفل زفافنا في مكناس بأقل عدد من الناس ومراعاةً لمشاعر حظاياي فما كان حريا بي أن أعاكس رغبتها أو أفرض عليها ما لا يسرها وتطيقه. وبعيد ليلة الدخلة، عبرت لي بكلمات صادقة عذبة عن وجوب معاضدتها لي وإبداء رأيها في أمور الدولة إذا طلبتُه منها. أما زوجاتي الأخريات فلن تكون لها معهن إلا علاقات السلم والإحسان، إذا حيتها واحدة ردت التحية بأحسن منها. هذا ولم يكن لها من طلب ملحاح إلا اعتكافها المطرد على قراءة أمهات الكتب، فلا تفتح باب منزلها إلا لي وللخادمة مرجانة حين تأتي للتنظيف أو بمأكل تريده حفيفا لا يُلحق بمعدتها وأمعائها أي وجع أو داء. فوعدتها بالحرص على تلبية مطلبها وما تشاء.
في إحدى خلواتي بحرمي خناثى حكيت لها أني في ليلة الأمس رأيت فيما يرى النائم أنها في واحة لقائنا الأول توسدتِ فخذي وهمهمتِ بألفاظ لم أدرك معناها، حتى إذا أقبلت خادمتك أيقظتك فانتبهتِ إليّ قائلة: فتح سبتة وبعدها جزرنا الجعفرية أمامنا مهمة غالية في عنقك وأمانة في ذمتك يا مولاي، فإن توفقت جددت لك بيعتي مدى الحياة وأثنيت عليك كثيرا ودعوت لك في كل صلواتي بالخير ورضا الله. ثم إن الخادمة حملتك على ظهرها وعادت بك إلى مستقرك تتبعك همساتي: لبيك يا مؤمنة سأفعل جهدي، وأستفرغ طاقتي يا قرة عيني.
ذات ليلة أخرى قادني الشوق إلى مقصورة مولاتي خناثى. أنا وهذه الفقيهة الفهيمة المولعة بالقراءة والتحصيل، ذات الذكاء اللامع والأصل الأصيل، والله إن ما بيننا لن ينفرط أو ينفسخ: حبٌّ راسخ وودٌّ شامخ. إني أعتضد بها كما تعتضد بي، ولله الحمد والشكر أن يسّر بعضنا لبعض وهدانا إلى ما يحبه ويرضاه.
هيأت لنا حرمي مائدة تكون لنا عشاء بعد أن صلينا معا وتقاربنا، فكان لي منها اللمم، وطاب الطعام وتهاديناه، وخلاله سألتني عن أشغالي الأخيرة، فرويت لها لماما لقائي مع الفرنسيسكان وتفقدي للبواخر وفتيانهم. أما هي فقضت يومها في إثراء حواشيها على كتاب ابن حجر العسقلاني “الإصابة في التمييز بين الصحابة”، كما أنها صرفت وقتا للتأمل في قولة من “كتاب التفاحة” المنسوب لأرسطو، وقد تكون في ترجيحها لإخوان الصفا وخلان الوفا وهي: ألم تعلموا أن الحكمة سرور العقل، وأن الشرط في إدراك الحكمة صلاح النفس والعقل، وصلاح النفس اعتدالها، واعتدالها هو تناقص أخلاط البلغم والرطوبة والدم. باركت القولة ووعدت جليستي بتمثلها في عملي ما استطعت. وفجأة انتابتها نوبة ضحك عللتها بكونها قرأت بالأمس نادرة في أحد كتبها. سألتها عنها، فقالت: هذي قضية حيرت علماء الرأي من الكوفة. قال رجل لامرأته إن لبست هذا الفستان فأنت طالق، وإن لم أجامعك فيه فأنت طالق. فكيف ترفع عنها أسباب العجز والحيرة، فأفتت فقيهة ماهرة يلبس الرجل الفستان فيلعبُ دور المرأة وتتقمص هي لبس الرجل، فلا هو حنث ولا هي تحيّرت، وإنما أضحكتنا، أضحك الله سنها. وسئلت الفقيهة نفسها عن متزوجة صعدت السلم، فهددها زوجها: إن صعدت أكثر فأنت طالق، وإن نزلت فأنت طالق! فما تراها تفعل؟ قالت: تطلب من بعلها أن يضع السّلم على الأرض وهي عالقة به، وما إن يتمّ لها ذلك حتى تستقيم فترمي به صوبه، وهكذا لا هو حنثَ ولا هي طلعت أو هبطت، وإنما ضحكت من ذقنه وذقن كل طاغية لئيم. كم ضحكنا معا ومعا توضأنا وصلينا العشاء فيما الليل يرسل سدائله. قلت لحرمي: أما حلت، يا مولاتي، هنيهات رشف الزلال من السحر الحلال؟ فلاحت من وجهها أمارات البشر والقبول، وهمست في أذني: لبيك، يا مولاي، لبيك… خلعت حليها لتيسير الضم والتعنيق، ثم استلقينا على السرير، فتطارحنا الهوى ومازحتها قبل أن أمازجها على سنة نبينا الأكرم، وكان ما كان مما أذكره وفي حوزة الكتمان أودعه.
بعيد انبلاج الصباح وتنفسه وأداء صلاته جلسنا لتناول الفطور، وكان الحديث بيننا ذا شجون. أنبأتني أنها ستنكب قريبا على قراءة كتاب آخر لصاحب “رشف الزلال من السحر الحلال” عثرت عليه في خزانة القصر هو “اللّآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة” للعلامة الإمام جلال الدين السيوطي طيّب الله مثواه، فأثنيت عليها وباركت جهدها ومسعاها. ومال بنا الحديث إلى الأسيرات اللّائي بدا أن لها بهن اهتمام. وقالت إنها خلال إحدى حرْكاتي استأذنت الزيدانية عايشة مباركة لزيارة بعضهن في محلاتهن، فآلمها أن ترى بينهن منطرحات على بطونهن أو ظهورهن بديْن لها محطمات أو معطوبات وعاطلات محبطات، إلا من شابة عجبت لحالها لا تفتر عن الحركة وإطلاق صوتها بالغناء، فهمت من عريفة ترجمت بينهما أن كنيتها بلقيس واسمها جانيت فحكتُ لها قصة ملكة سبأ بلقيس فسُرت وأمست تخطو خطوات وتكشف لي عن ساقها. طلبتُ من خناثى وصفها، فقالت: فتاة في غاية النحول، تكاد لا تلحظ إلا إذا سعلت أو عطست أو من جوفها تنهدت. فتاة تهفو إلى نور دافئ تشعر به ولا تراه. أنبأت حليلتي بأن هذي الفتاة وأمها كانتا في سفينة إصبانية بين الأسرى. بادلنا أمها بأسير مسلم، ورفضت البنت اتباعها، وفضلت العيش بيننا، فأسلمت وصارت منا وإلينا ويغلب عليها اسم للّا جانيت. وإن أرادت يوما سراحها سرحناها بإحسان وزيادة. وريثما نجد لها مخرجا انطلاقا من أحد مرافئنا بين قوم من بني جلدتها. دأبت على تحين فرص مقابلتي، وكثيرا من تخترق كشهاب مارق صفوفا أتفقدها، فتمثل أمامي صائحة الله يبارك في عمر سيدي، ثم تكشف لي عن ساقها ثلاث مرات قبل أن تعود جاريةً نحو مأواها وصاحباتها. إنها، والله، لعجيبة.. أمسكت، يا حبيبتي، خناثى عن التسري بها خوفا من حمل قد لا تطيقه ومن إيغار صدور حريمي وأنت واسطة عقدهن ولؤلؤتهن النفيسة. سألتُ جليستي الأنيسة عن بعض زوجاتي الحرائر، فقالت في حق من تعرفت عليهن عن كثب جُملا جميلة وخصت حليمة المرابط، فأثنت على سمتها الحسن وميسمها الوسيم وتواضعها الجسيم، وأردفت: إنها، يا مولاي، من العابدات القانتات تخاف الله كثيرا وتخاف منك حين تعبس أو تغضب.
تخفف الوطء في مشيتها وتمديد المساعدة لمن يحتاجها وتجتنب الشحناء والبغضاء. أصدقتها الوصف وزكيته، وهرعت إلى فراشنا بعد أن أعلمتها أني ذاهب غدا إلى تفقد أحوال الجيش ودار البارود ومحللات الرماة ثم إلى دواوين العدل والشكايات، فدعت لي بالتوفيق في المساعي وجني الثمار والعائدات.
The post حميش يسلط الضوء على حب "عايشة" في حياة السلطان إسماعيل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق