انطلقت الحملة الانتخابية رسميا، وهو ما يعني خروج الأمناء العامين للأحزاب السياسية، والمناضلين، والمتملقين، والسماسرة، والمتدربين.. للبحث عن أصوات انتخابية، حتى لو تطلب الأمر السفر إلى مناطق نائية وقطع مسالك لم يسبق أن وطئتها الأقدام.
هذه العينة من الناخبين والمنتخبين هي التي اعتادت حسم النتائج وتوزيع المقاعد عند كل “سوق انتخابي”.
وإذا كان هذا الأمر صحيحا بالنسبة لعدد كبير من حاملي بطاقة الناخب، والممارسين عمليا للانتخابات، فإن هذا الأمر قد لا يكون صحيحا بالنسبة لشريحة عريضة من المواطنين الجدد، الذين يختارون الارتكان وراء شاشات الهواتف الذكية والحواسيب، حيث يعلقون على كل شيء ولا يغيرون أي شيء.
فيهم المسلمون والمسيحيون واليهود واللادينيون والحداثيون واليساريون.. لكنهم يشتركون جميعا في نقطة واحدة، هي “غياب روح المبادرة” كمن ينتظر الحصاد دون أن يكلف نفسه عناء الحرث والزرع.
هي “كائنات سياسية افتراضية”، بعضها يعتقد أن بإمكانه تغيير العالم، بل إن بعضهم يتبعهم الملايين، الذين لا يملون من التعليق والنقر والتعبير عن الإعجاب.. بشكل يفوق بكثير ما تتوفر عليه قاعدة أعتى الأحزاب، ولكنهم افتراضيون مع الأسف، أي أن وجودهم مثل العدم.
ما أسوأ هذا العالم الافتراضي؛ حيث تغدو المشاعر افتراضية، وحيث يصبح المواطن أسير نقرة زر، وحيث تصبح الزعامة افتراضية مرتبطة بمدة صلاحية افتراضية، ويمكن أن تسقط بين عشية وضحاها.
أصحاب العالم الافتراضي يملكون أفكارا نيرة، ولهم مواقف سياسية، لكن كثيرا منهم لم يكلف نفسه عناء التسجيل في القوائم الانتخابية، لذلك لا يمكن الاعتداد برأيهم، بل إنهم في بعض الأحيان يصنفون في خانة “الذباب الإلكتروني”.. هل يستوي الإنسان والذباب؟
“المواطن الافتراضي” هو آفة العصر الحديث، ولولا المواطنون الحقيقيون لما كانت هناك زراعة ولما كانت هناك إدارة.. بل إن الدولة نفسها لا يمكن أن تتشكل من كائنات افتراضية، على الأقل في الوقت الراهن، لحسن حظ البشرية.
يمكن للانتخابات أن تصبح افتراضية مستقبلا، لكن الوطن لا يمكن أن يكون افتراضيا، كما أن الجحافل الافتراضية فرضت نفسها كـ”مجموعات” ذات إمكانيات رهيبة في تخريب الأوطان، ولم يثبت لحد الآن أنها بنت وطنا.
والأمل معقود على فئة المواطنين العقلاء، الذين يمارسون مواطنة حقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه المحطة الانتخابية، وإعطاء صورة حقيقية عن قدرات هذا الوطن، الذي يجمعنا ونفتخر به، سواء كنا افتراضيين أو حقيقيين.
The post مواطنون افتراضيون.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق