أحرشاو يستعرض واقع وسبل الرقي بالتعليم الأولي نحو الأفضل في المغرب‎‎

يرى الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو أن التعليم الأولي بالمغرب، الذي كان من المرتقب أن يستقبل منذ أوائل هذا القرن جميع الأطفال المهيئين لولوج مختلف مؤسساته وفضاءاته وأن يحظى بتطور وانتشار كبيرين في جميع جهات المملكة، “لا يزال بعيدا عن بلوغ المراد وتحقيق المبتغى”.

وفي مقال جديد له حول واقع التعليم الأولي، يعتبر الكاتب أنه، بالرغم من الإصلاحات المتتالية للوزارات الوصية المتعاقبة، “فإن هذه المرحلة من التعليم تبقى عرضة لكثير من بؤر العجز والخصاص في بنيته ووظيفته وحصيلته”.

كما يستعرض أحرشاو في مقاله رؤيته الشخصية للرقي بهذا النوع من التعليم نحو الأفضل: عرضا وخدمة وجودة.

وهذا نص المقال:

الأكيد أن التحولات التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين ساهمت إلى حد ما في الاهتمام بالتعليم الأولي كطور من أطوار المنظومة التربوية عامة. فإذا كان وجود الكتاتيب القرآنية قد استمر كإرث ثقافي، فإن الإقبال على رياض الأطفال كمؤسسات عصرية جاء نتيجة تغيرات عميقة شملت بنيات الأسرة والمدرسة ووظائفهما. إن ظهور الأسرة النووية وعمل المرأة وحماية الطفولة وتعميم التمدرس كلها عوامل ساعدت على زيادة الحاجة إلى فضاءات وبرامج للتربية المبكرة، التي من غاياتها الأساسية تشكيل ملامح شخصية الطفل المستقبلية وتهييئه للتعلم الابتدائي عبر تفتيق قدراته على التعلم والاكتساب؛ فقد ثبت من الأدبيات النفسية والتربوية أن الطفل المستفيد من طور التعليم الأولي غالبا ما يتميز مستقبلا عن نظيره غير المستفيد بالحافزية العالية والتواصل الجيد والتفوق الدراسي.

في إطار إغناء النقاش المتجدد والمتواصل حول التعليم الأولي والخطط التي يُدَبَّرُ بها في المغرب، سنعمل في هذا المقال على تقديم قراءة فاحصة لأهم مقوماته وأبرز تحدياته وأنجع رهاناته.

الواقع أن التعليم الأولي، الذي كان من المرتقب أن يستقبل منذ أوائل هذا القرن جميع الأطفال المهيئين لولوج مختلف مؤسساته وفضاءاته وأن يحظى بتطور وانتشار كبيرين في جميع جهات المملكة، لا يزال بعيدا عن بلوغ المراد وتحقيق المبتغى؛ فبالرغم من الإصلاحات المتتالية للوزارات الوصية المتعاقبة، فإنه يبقى عرضة لكثير من بؤر العجز والخصاص في بنيته ووظيفته وحصيلته. بشهادة تقارير: 50 سنة من التنمية البشرية (2005)، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين (2017)، والنموذج التنموي الجديد (2021)، نجد التعليم الأولي يواجه مشاكل واختلالات كثيرة، نمثل لها بالوقائع والمؤشرات التالية:

ـ تقاعس واضح للحكومات المتعاقبة في تعميمه ليشمل حوالي مليون و500 ألف من الأطفال المتراوحة أعمارهم حاليا بين 4 و5 سنوات، بدل الاكتفاء فقط باستقبال 820 ألفا من هؤلاء وبنسبة 57.5%.

ـ تباين في فرص ولوجه، إذ تتخلل نسبة رواده (57.5%) تفاوتات تشمل الوسط الجغرافي (55% للحضري و28% للقروي)، والصنف التعليمي (62.7% للتقليدي، و12.8% للعمومي، ثم 24.4% للخصوصي)؛ الأمر الذي يبقيه عرضة للتضارب بدل الانسجام في البرامج والأنشطة، والمحاباة بدل الإنصاف في الفرص والانتشار.

ـ افتقاره إلى الإطار المرجعي والقانوني الموحد بفعل تعدد الأطراف المشاركة والمتدخلة فيه؛ فهو يتواجد بنسب متفاوتة تتدرج من 85% لوزارة التربية الوطنية، إلى 6% لوزارة الأوقاف، إلى 6% تقريبا للتعاون الوطني، إلى 2% لوزارتي الشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية، إلى أقل من 1% لبعثات مختلف السفارات الأجنبية.

ـ ربطه ببرامج وأنشطة تربوية متباينة تحكمها ازدواجية تقليدي/عصري، وتؤطرها ممارسات بيداغوجية متضاربة، تتوزع بشكل عام على مؤسسات تقليدية لتحفيظ القرآن وتلقين الكتابة والقراءة، وعلى مؤسسات عصرية لتعليم اللغات العربية والأجنبية وأنشطة التعبير واللعب والترفيه. هذا فضلا عن خصاص كبير في عدد هذه المؤسسات، وتواضع مستوى مواردها البشرية وبرامج تكويناتها ومراقبتها التربوية، مع سيطرة هاجس الربح المادي على عدد من المستثمرين في هذا المجال.

لتخطي سلبيات وانعكاسات هذه المشاكل والاختلالات ومختلف بؤرها ونواقصها، وبالاحتكام إلى توصيات التقارير سابقة الذكر التي نشاطر رأي عديد من أصحابها في اعتبار التعليم الأولي خلفية أساسية لبناء منظومة تربوية متكاملة غايتها تحقيق التكافؤ في النجاح والجودة والاستحقاق، نرى ضرورة إجمال تصورنا الشخصي للرقي بهذا النوع من التعليم نحو الأفضل: عرضا وخدمة وجودة، في الإجراءات التالية:

ـ ملاءمة نموذج هذا النوع من التعليم وخططه مع الخصوصيات المغربية، بناء على دراسات واستطلاعات ميدانية غايتها تشخيص وضعيته الحالية واستشراف آفاقه المستقبلية، مع تجويد بنياته التحتية وأنشطته التربوية ، ثم مصادر تمويله ونوعية شراكاته.

ـ العمل على توسيع العرض المتوفر حاليا من هذا التعليم في اتجاه تعميمه ليشمل جميع الأطفال المتراوحة أعمارهم بين 4 و5 سنوات، وبالتالي تطويره وفق مستلزمات الجودة والإنصاف وخاصة في المناطق المهمشة والفقيرة، مع التأهيل المتجدد لأطره البشرية بما يتلاءم وخصوصيات مختلف جهات المغرب.

ـ اعتماد المنهاج التربوي المطابق لمتطلبات التربية الحديثة ومستجداتها البيداغوجية، وخاصة على مستوى توحيد المرجعيات السيكولوجية والبيداغوجية، وطرائق التنشيط والترفيه، ومضامين التكوين والتثقيف، ثم أساليب التعليم والتقويم التي تناسب سن أطفال هذا الطور التعليمي، وحاجاتهم الشخصية والقيمية والمجالية.

ـ إعادة النظر في الإطار القانوني والمؤسساتي لهذا الطور التعليمي؛ وذلك بالتنصيص على إلزاميته في أفق تعميمه على المدى القريب، مع اعتماد خطاطة تصنيفية جديدة لمؤسساته وفضاءاته، قائمة على معايير الجودة والتكافؤ والاستحقاق واحترام التنوع العرقي والثقافي والمجالي.

ـ تطعيمه بالثقافة الصحية والنفسية الضرورية، ومنع كل أشكال السلوكات العنيفة داخل فضاءاته، مع الكشف المبكر لأنواع الإعاقة الحسية والحركية والذهنية باعتماد ممارسات تربوية وبروتوكولات معرفية للتخفيف من مظاهر العجز والتأخر والفشل التي يواجهها بعض الأطفال؛ إما بفعل تواضع زادهم المعرفي ونظامهم الدافعي الداخلي، وإما بسبب محدودية دور الممارسات التربوية المعتمدة في بلورة الاشتغال المعرفي لهؤلاء.

ـ استرشاده بالبيداغوجيا التعددية المشروطة بالتعلم المتنوع الذي يساعد الطفل على تفعيل وظائفه الذهنية لمعالجة المعلومات والمعارف والمشاكل بالارتكاز، إما على التعلم العام المحكوم بالتوجه المطامعرفي الذي يساعد هذا الأخير على التدبير الواعي المراقب لاشتغاله المعرفي، وإما على التعلم المتخصص المحكوم بالتوجه القالبي الذي يساعد على تفعيل نظامه الذهني المتخصص وتعديل آليات اشتغاله تبعا لتنوع الميادين التي يباشرها. والأكيد أن تحقيق غايات هذا النوع من التعلم/التعليم يستوجب مربيا/معلما محترفا يمتلك المهارة التربوية اللازمة التي تؤهله لممارسة فعل التربية/التدريس كسيرورة دينامية تتفاعل داخلها كل أنواع المعارف السابقة والجديدة، العامة والخاصة، وتتكامل فيها المكونات النفسية والمعرفية والاجتماعية.

ـ ربطه بالبيداغوجيا القائمة على كفاءات الطفل المبكرة ومعارفه السابقة، إذ ثبت أن هذا الأخير لا يأتي إلى المدرسة صفحة بيضاء أو ذهنا فارغا؛ بل إنه في حدود سن الرابعة فأقل يكون قد امتلك رصيدا متنوعا من المعارف التي تمكنه من التعلم والتكيف والتواصل. فهو بمنظور المقاربة المعرفية التي نتبناها لا يشكل كائنا عاجزا محدود القدرة والمعرفة، بل هو عنصر كفء نشيط يحب الفضول والاستكشاف، يجيء إلى المدرسة وهو محمّل بمعارف وكفاءات ونظريات ساذجة في الغالب وتستوجب التصويب والتطوير نحو الأفضل.

ـ عمله بالبيداغوجيا الناجعة التي يحكمها فضاء تربوي غني ومتنوع في وسائله وموارده وغاياته، ويرتبط نجاحها كمشروع تربوي بشروط تتوخى من جهة أولى جعل الطفل/المتعلم محورها الرئيسي عبر تمكينه من معارف ومهارات تسعفه على تحصين هويته الثقافية، وتهييئه لولوج المدرسة الابتدائية، ثم تسليحه بمنطق المتعلم الناجح الذي يفهم ويفكر ويحل المشاكل ويتخذ القرارات. وتسعى من جهة ثانية إلى اعتماد العنصر البشري الكفء المتشبع بثقافة نفسية – تربوية غنية حول مرحلة الطفولة ومقوماتها المختلفة، والقادر بأسلوبه البيداغوجي واجتهاده الدؤوب وسلوكه النموذجي وهندامه النقي على تمكين الطفل من التعلمات والاكتسابات المطلوبة. وتستند من جهة ثالثة إلى التجهيزات الضرورية والبرامج التربوية المدعمة بوسائط بيداغوجية متنوعة لها القدرة على استثارة حواس الطفل ومداركه وأنشطته الذهنية.

The post أحرشاو يستعرض واقع وسبل الرقي بالتعليم الأولي نحو الأفضل في المغرب‎‎ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عن الكاتب

لقد تم توليد هذا النص من مولد النص العربى، حيث يمكنك أن تولد مثل هذا النص أو العديد من النصوص الأخرى إضافة إلى زيادة عدد الحروف التى يولدها التطبيق، إذا كنت تحتاج إلى عدد أكبر من الفقرات يتيح لك مولد النص العربى زيادة عدد الفقرات كما تريد، النص لن يبدو مقسما ولا يحوي أخطاء لغوية، مولد النص العربى مفيد لمصممي المواقع على وجه الخصوص، حيث يحتاج العميل فى كثير من الأحيان أن يطلع على صورة حقيقية لتصميم الموقع.

إعلان