تذكرا لعمل وخلق فقيد شعبة الدراسات الإسلامية والسعي إلى صيانة المعرفة والقيم، العربي بوسلهام، التأم حفل تأبيني، بث رقميا، وضم أساتذة جامعيين وطلبة، من المغرب والعالم المغاربي والعربي.
وكان الأستاذ الجامعي العربي بوسلهام المنسق العام للهيئة العلمية العليا للتنسيق في الدراسات الإسلامية بالجامعات المغربية ورئيس مركز تكوين الدكتوراه في الفكر الإسلامي، وسبق أن كان رئيسا لشعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة محمد الخامس) بالرباط.
وقال محمد الروكي، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الفقيد كان “آية في حبه للقرآن الكريم، كان يقوم به ويجلس به، ينام به ويستيقظ به، وكان شغلَه الشاغل، وعلى رأس جميع مشاغله وأولوياته، على مستوى التحفيظ والتدريس وإلقاء المحاضرات وتنظيمها، والارتباط بمؤسساته ومراكز تحفيظه، وهو ما دل دلالة واضحة على أن المرحوم كان رجل القرآن، وهمه القرآن”.
وتذكر الروكي “الأعمال العلمية التي نظمها الفقيد حول القرآن العظيم”، وأضاف: “مما تميز به إخلاصه في العمل إلى حد لا يطيقه غيره، وتقدير المسؤولية حق قدرها، وحملِه همها (…) وكان رجلا فريدا من نوعه في تفانيه وإخلاصه للعمل، يتميز بصدقه، في مواقفه وأقواله وأفعاله وعلاقاته (…) وتميز بسلامة ونقاوة في القلب والطوية والسريرة”.
وتابع المتحدث معددا ما عرفه في العربي بوسلهام: “حبه عميقٌ لوطنه ودينه وثوابته، وحبه لطلبته وحنوه عليهم ومعاملته لهم معاملة الأب لأبنائه، واهتمامه بشؤونهم، والإنفاق عليهم من المال والوقت (…) وأشهد على تميزه بتقدير العلماء، والمتخصصين في مجالاتهم الذين كان لا يتقدم عليهم (…) وتواضع وإنكار للذات”.
وواصل الروكي: “كان الفقيد يقضي مصالح الناس على حساب مصالحه الخاصة، وينظر في ما يحتاجه الناس (…) وكان الأهم من وقته وجهده وصحته الإسهام والعطاء للغير ما استطاع أن يعطيه إياه، إيثارا (…) وكانت علاقاته كثيرة، وكان منفتحا على الجميع، ولم يكن يعادي أو ينازع أحدا، ولم يكن يختلف مع أحد اختلافا يفضي إلى الشقاق (…) وكان متميزا بمحبوبيته وجمهوره الواسع العريض”.
وختم الروكي كلمته بالحديث عما خلفه الفقيد من “ثروة هائلة من المشاريع العلمية والفكرية التي تتجه نحو خدمة الإسلام ومبادئه وقيمه ورسالته”.
بدوره، تحدث محمد القجوي، أستاذ علوم القرآن والتفسير بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن ما عرفه لمدة أربعين سنة في الفقيد، قائلا: “عرفت فيه الرجل الوطني المخلص، المتشبث بتقاليد وطنه، المؤمن بثوابته، المعتز بانتمائه إليه، الغيور على مقوماته، المفتخر بأمجاده وحضارته ورموزه، وكان يذكر ذلك في كل مناسبة وسياق”.
وأضاف القجوي: “عرفته داعية مهموما بمشاكل أمته، مشاركا بالرأي والعمل في كل نشاط يرجى منه الخير والمصلحة لبلده وأمته، كثيرَ الاتصال بالعلماء ورجال الفكر والسياسة، حريصا على إشراكهم في أنشطته العلمية والتربوية. ولا يمكن أن ننسى المهرجانات التي نظمها للتباري في حفظ القرآن الكريم والسنة المطهرة، تشجيعا للحفظَة على العناية بهذين الأصلين العظيمين، ولا يمكن أن تُنسَى أنشطته في مناقشة مشاريع إصلاح التعليم ومشاريع شعب الدراسات الإسلامية، والندوات والدورات العلمية الدولية والوطنية التي نظمها لاحتضان الباحثين الشباب ومساعدتهم على إنضاج مشاريعهم العلمية وبحوثهم الجامعية”.
وتابع المتدخل: “بذل مالا وجهدا ووقتا وراحة في سبيل هذا، وكان نشيطا لا يعرف الفتور، منذ شبابه إلى آخر فترة في حياته، شعلة نشاط (…) من مشروع إلى مشروع، وتوفاه الله وهو منسق مختبر علمي بالكلية، ورئيس تكوين في دكتوراه، ورئيس الهيئة العليا للتنسيق بين شعبة الدراسات الإسلامية، وله أنشطة علمية لا تتوقف (…) وكان نشاطه يفوق طاقات الشعبة وقدراتها، مما أدى إلى بعض النزاعات الأخوية التي خلفت لنا ذكريات لا تنسى، كانت تدل على الحياة والنشاط”.
كما تذكر القجوي في الفقيد صبره على “سماع رأي المخالف، ولو كان نقدا”، وتلقيه له بـ”ابتسامته المعهودة التي لا تفارق محياه”، قبل أن يجمل قائلا إنه قد “كان حليما”.
من جهته، أمن أحمد البوكيلي، أستاذ جامعي وباحث في الفكر الإسلامي، على وصف الأستاذ الجامعي الروكي الفقيدَ العربي بوسلهام بكونه “رجل بركة، ورجل قرآن”. ثم استرسل قائلا: “من عاش للقرآن الكريم وسخر حياته لخدمته، يستحيل أن ينقرض من ذاكرة قلوب الأمة”.
وتوقف البوكيلي عند ما أسماه بـ”الرأسمال الروحي للحزن عند الأمة الإسلامية”، قائلا: “يكفينا فخرا بتربيةِ الحبيب صلى الله عليه وسلم التربيةُ على محبة بعضنا البعض، والمؤمنون إخوة، والأخوة ترتبط بغاية الغايات التي هي نيل رضا الله، ولا تنحصر في الزمن الوجودي، ومشاعر الحزن -التي نحس بها- تظهر عظمة الأمة وبركات الحبيب صلى الله عليه وسلم”، بتصور الموت “إعادة للحياة للإنسان من موقع زمن آخر، زمن الوقوف بين يدي الله، وهو ما يحول هذه الحالة إلى حالة إيمانية، تزيد اعتقادنا بأن الموت آية من آيات الله تعالى”.
وقال البوكيلي إن بوسلهام “كان يتصارع مع الزمن، لأنه أراد في مرحلة زمنية دنيوية إتمام العديد من المشاريع، وأتعبنا كثيرا، وكان يناقش بالصباح والمساء”، وقدم مثالا بتسجيله السنة الماضية 2020 العشرات من أطروحات الدكتوراه، قبل أن يعرج مذكرا بـ”أبنائه عبر العالم”، بعد استحضار حديث استمرار عمل الإنسان بعد موته بثلاث من بينها الولد الصالح الداعي لأبيه، بتصور لا يحصر البنوة في البعد البيولوجي، وخلُقه الذي كان يجعله “في عمق خلافنا معه، يبتسم وينظر إلينا من زمن أسمى، زمن عالم الغيب”.
ويرى المتدخل أن الحديث عن العربي بوسلهام يجب ألا يكون وكأنه “مرحلة انقرضت من ذاكرة الأمة”، بل “نحتاج العيش و(نحن نعرف أن) روح مولاي العربي ترفرف بطريقة لا يعلمها إلا الله، من خلال مشاريعه العلمية، وأطاريحه، ومشاريع التكوين في الدكتوراه التي أشرف عليها”..
وتطرق البوكيلي إلى مشروع الماستر الذي كان يشتغل عليه الفقيد قبل رحيله، والذي كان “تتويجا لرؤية فلسفية لربط الدراسات الإسلامية بالدراسات التربوية والبيداغوجية، من خلال كلية علوم التربية، في سياق مشروع كبير وِزاري على المستوى الوطني”، فضلا عن عمله خارج أرض المغرب في سبيل “الدبلوماسية الجامعية” وحمله هم “التدخل لإصلاح العلاقات بين الدول”.
وفي كلمته بالندوة التأبينية شدد البوكيلي على الحاجة إلى الحديث عن الفقيد “لا كجزء من الماضي”، قبل أن يزيد بكلمات دامعة متقطعة: “أشعر بتقصير كبير، وهو كان يعيش معنا بهذه الطاقة الكبيرة والصدق والبذل والعطاء ونحن غارقون في العالم الإداري… لماذا لم نترب في ثقافتنا العربية الإسلامية على الاعتراف بعلمائنا ومفكرينا في حياتهم بكل حسناتهم؟ نحتاج أن (…) نتربى على التكبير بالعلماء والاستفادة منهم في حياتهم. وعلماؤنا المغاربة كبار ليس على مستوى العالم الإسلامي فقط، بل على مستوى الأمة الإنسانية، لكن بتواضعهم (…) لا نستثمر هذا، ونحتاج تغيير إستراتيجيتنا بإعادة الاعتبار لعلمائنا ومثقفينا وأساتذتنا، من موقع الوفاء والمحبة الصادقة في الحياة”.
The post "فقيد الدراسات الإسلامية" العربي بوسلهام .. حياة للقرآن والوطن والإنسان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق